Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

ما رأيك فيمن يقول إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار؟

إعداد/ د. أسامة إبراهيم الشربيني

    بداية أُعرّف الكبيرة أولاً فأقول: تعارف أهل العلم على أن الكبيرة هي: الذنب الذي يترتب عليه حدٌّ وعقاب في الدنيا أو وعيدٌ في الآخرة بالعذاب الأليم ، كالقتل والسحر والزنا والسرقة وغير ذلك، وقد بين العلماء أن أعظم الكبائر هو الشرك بالله تعالى، ثم يليه بقية الموبقات السبع المذكورة في الحديث الذي مطلعه ( اجتنبوا السبع الموبقات ……… وهذا السؤال قد تم طرحه من قديم في القرن الثاني الهجري عندما دخل رجل على الحسن البصري فقال: يا إمام لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، فكيف تحكم لنا بذلك اعتقاداً ؟ فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافرٌ مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمي وأصحابه معتزلة، والذين يكفرون أصحاب الكبائر هم الخوارج فيعتبرون أن مرتكب الكبيرة كافراً، ومن ثمَّ مخلداً في النار، وهذا يخالف منهج أهل السنة والجماعة الذين يعتقدون أن من يؤمن بالله تعالى ورسوله واليوم الآخر، لا يكفر بشيء من المعاصي، ولا تحبط المعاصي أعماله، فلا يكفره إلا أن يكفر هو بالله تعالى، يقول الإمام أحمد: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا : يعني السلف على أن المؤمن بالله لا يخرجه عن الإيمان شيء من المعاصي، ولا يحبط إيمانه إلاَّ الكفر- أي إعلانه الكفر صراحة- وأن العصاة من أهل القبلة غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم، وقد سئل ابن تيمية عن المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا فأجاب: لا يكفر بمجرد الذنب، إذ ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الزاني غير المحصن يجلد ولا يقتل، والشارب – أي للخمر- يجلد، والقاذف – أي الذي يرمي غيره بالزنا- يجلد، والسارق يقطع، ولو كانوا كفاراً لكانوا مرتدين، ووجب قتلهم، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف. انتهى

ومما يؤكد عدم انتفاء صفة الإيمان عن مرتكب الكبيرة، وأنه غير مخلد في النار أن الله عز وجل لم ينفي صفة الإيمان عن الطائفتين الباغيتين بعضهم على بعض قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

ومما يدل على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، بل عاصٍ، أمره يرجع إلى الله خالقه قول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) بل إن هذا الإثم العظيم يغفره الله لصاحبه أيضاً إذا تاب إلى ربه وأناب وعمل عملاً صالحاً، أما إذا لم يتب فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فكيف يتألى هؤلاء على الله؟! يقول تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً )

وعلى هذا فمعنى الآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به…….. أي لا يغفر أن يشرك به إلا بتوبة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بدون توبة.

ومما يدل على ذلك أيضاً عدم كفر مرتكب الكبيرة مبايعة الرسول – صلى الله عليه وسلم- لأصحابه في بيعة العقبة، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك).

ومن خلال تلك الآيات الكريمات، ومبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وأقوال أهل العلم يتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكفر مرتكب الكبيرة بذنب اقترفه، ولم يخبر بخلوده في النار، باستثناء ذنب الشرك بالله تعالى الذي لم يتب صاحبه منه، وأمر الخلق جميعاً إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم (يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ).

                                                                                وبالله التوفيق………….

Spread the love
Show CommentsClose Comments

Leave a comment