Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

وما جعل عليكم في الدين من حرج

الاختلاف الفقهي اختلاف تنوع وليس اختلاف تناقض

دعونا نوضح الفرق أولا بين اختلاف التنوع وبين اختلاف تضاد، فاختلاف التنوع هو ما يصح الجمع بينها ولو من وجه. ما معنى هذا الكلام؟ أي أن هذه الأنواع تشترك فيما بينها بقاسم مشترك، أو أنها ترجع إلى أصل واحد وذلك مثل أصابع اليد الواحدة فالأصغر يسمى الخنصر وله وظيفة وما بعده يسمى البنصر وله وظيفة مختلفة وبعده ما يسمى بالأوسط ثم السبابة ثم الإبهام وكل واحد منها له وظيفة مختلفة لكنها وإن اختلفت أحجامها ووظيفتها يجمعها شيء واحد وهو كونها أصابع يد واحدة، والجمع بينها ممكن، فهي مجموعة أصلا فيما يسمى بالكف.

ومثل الورق فمنه الكراس والكشكول والكتاب والصحيفة والمجلة وكل واحدة منها لها وظيفة مختلفة لكن يجمعها أنها جميعا من الورق، يكتب فيها أو يقرأ منها.

أما التناقض فلا يمكن الجمع بينهما بوجه ما ، مثل الحياة والموت فهما حالتان من حالات الإنسان لا يمكن الجمع بينهما أبدا، فالإنسان إما حى وإما ميت.

وكذلك الحركة والسكون فهما حالتان من حالات الأشياء لا يمكن الجمع بينهما أبدا فالشيء إما ساكن وإما متحرك لا واسطة بينهما ، والباب إما مفتوح وإما مغلق لا واسطة بينهما ولا يمكن الجمع بينهما.

واختلاف الفقهاء من النوع الأول الذي يمكن أن تستسيغه بسهولة وتقبله، لكن هذا القبول لمن يعرف الرابط  بين هذه الأقوال وهم العلماء، وبعض العامة يتعجب حين يسمع أن الإمام الشافعي مثلا يرى هذا الفعل مكروها ويراه الإمام مالك مباحا، ويزول عجبه حين يتبين له وجه الحق والرابط بين هذه الأقوال، فالشافعى الفعل يرى من جهة غير الجهة التى يراه منها مالك ، أو في حال غير الحال ، أو لشخص غير الشخص أو في زمان غير الزمان وهكذا.

فلا تتعجب حين تسمع في تفسير قوله تعالى:” يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ” أقوالا عدة حيث ذكر المفسِّرون- رحمهم الله- أقوالاً في تفسير هذه الآية، وكلّها صحيحة، ولا تناقُض بينها، لأنّها كلّها تدخُل في نعمة الله، وكلُّ منهم يذكُر مثالاً من هذه النعم. فأقوال المفسّرين لا تناقض بينها، واختلافهم هنا من باب اختلافُ التنوُّع وليس من باب اختلاف التضادّ، لأنّ الآية تحتمِل عدّة معان، فكلّ واحدٍ من المفسِّرين يأخذ معنىً من هذه المعاني، فإذا جمعتها وجدت أنّ الآيةتتضمّن هذه المعاني الّتي قالوها جميعاً.

فمنهم مَن قال: إن “نِعْمَتَ الله” هي بِعثة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنهم مَن قال: إن “نِعْمَتَ الله” هي ما ورد في هذه السّورة من أصناف النِّعَم.

ومن صور هذا الاختلاف المقبول اختلاف المفسرين في المراد بـ”حبل الله” في قوله تعالى :” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”. حيث اختلفوا على ستة أقوال كلها مقبولة: فقيل إن المراد بحبل الله” كتاب الله” وهو القرآن الكريم. والثاني: أن المراد بحبل الله “الجماعة” والثالث: إن المراد بحبل الله هو ” دين الله ” وهو الإسلام. والرابع: أن المراد بحبل الله هو”عهد الله”. والخامس: إن المراد بحبل الله “الإخلاص”. والسادس: إن المراد بحبل الله هو “طاعة الله”. وهذا اختلاف في المراد بالحبل في الآية هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد إذ المعنى كله متقارب قال ذلك القرطبي وابن الجوزي وغيرهما.

فأوصيك أخى القارئ الكريم، لا تتعجل الحكم على الشيء حتى تتبين.

 

Spread the love
Show CommentsClose Comments

Leave a comment