Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

الخطاب القرآنى

الدكتور كمال بريقع عبد السلام

 القارىء المتأمل لما جاء فى كتاب الله العزيز يستطيع أن يميز بعض الملامح الواضحة والتوجيهات الإلهية التى أرشدنا إليها القرآن الكريم، ومن هذه التوجيهات التى نستطيع أن نستجليها من آيات الذكر الحكيم أن الخطاب القرآنى خطاب عامٌّ يراد به عموم الناس، يشمل المؤمن منهم والكافر، والغني والفقير، والقوى والضعيف، ومن ذلك قول الله تعالى:  “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  (سورة النساء: 1) ومن هذا النوع قول الله تعالى: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} (فاطر:3). فخطاب القرآن الكريم خطاب عالمى وشمولى، بمعنى أنه يخاطب البشرية جمعاء دون استثناء، ولا يختلف القرآن المكى عن القرآن المدنى فى هذا الخاصية، فمنذ أن أعلن النبى دعوته فى مكة أعلن أنه رسول الله إلى الناس كافة، وعلى الرغم من أن الخطاب القرآنى يتسم بالعموم ويخاطب جميع الناس إلا أننا ينبغى أن نفرق بين هذا النوع من الخطاب ، والآيات التى تخاطب المكلفين من أمة محمد، وهذا النوع من الخطاب قد يبدأ بقول الله تعالى “يا أيها الذين آمنوا” وذلك مثل قول الله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة: 183) ومثل قول الله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (سورة المائدة : 1) وقول الله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (سورة الحجرات: 11)، فالأحكام الشرعية لا يطالب بها غير المكلفين من المسلمين سواء كان الخطاب فيها طلباً أونهياً، ترغيباً أو ترهيباً، وعداً أوعيداً، وغير ذلك من أنواع الخطاب. 

ومن مظاهر العموم فى الخطاب القرآنى أنه خطاب يعترف بالإختلاف ويعده سنة كونية، ويعترف بالشعوب والقبائل (وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ)  والإعتراف بالخصوصيات ليس فقط الخصوصيات بين البشر وإنما فى عالم الحيوان (ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) . الخطاب القرآنى خطاب لا يعرف التعميم فى إطلاق الأحكام بل هو خطاب محدد يعطى كل ذى حق حقه، ولا يخلط بين المحسن والمسىء أوبين المعتدل والمغالى، قال تعالى : (ومِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنْهُم مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ )  وقال تعالى: ( لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ )

ومن سمات الخطاب القرآنى أنه خطاب لا يعرف الإزدواجية أو الكيل بمكيالين، فليس هناك إسلامان اسلام يعلنه المسلم وآخر يكتمه، فهو إسلام واحد، والنتيجة العملية التى تترتب على هذا المبدأ هى تجنب تلك اللغة الإستفزازية التى ينتهجها بعض الدعاة –  وخاصة غير المؤهلين منهم ومن لم ينالوا حظًا من العلم فى المعاهد العلمية المرموقة – بالدعاء على المخالفين لهم فى الدين ، فقد أمرنا الله تعالى بدعوة المخالفين بالحكمة والموعظة الحسنة، واستمالتهم نحو الإسلام بحسن الخلق وطيب المعاملة، فلا يجوز الدعاء عليهم بالتعميم ولكن على المعتدين منهم،  والله يعلمنا فى كتابه العزيز الأدب فى الدعاء: ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فهناك  ضوابط وقيود لابد من مراعاتها ولا يجوز الإعتداء فى الدعاء (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ )، كما يجيز الإسلام لأصحاب الديانات الآخرى الإحتكام إلى شرائعهم واقامة ما فيها، والعيش تحت ظل الدول المسلمة يتمتعون فيها بكل الحقوق والواجبات التى يتمتع بها المسلم قال تعالى: (ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ) وقال تعالى: ( وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ”)

Spread the love
Show CommentsClose Comments

Leave a comment